Mise en garde du grand savant 'Abd Al Latif Al Cheikh
du livre de Abou Hamid Al Ghazaliy : «Ihyâ’ ’Ouloûm ad-Dîn - إحياء علوم الدين»
بسـم الله الرحمـن الرحيــم
الحمد لله رب العالمين ،والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين ،وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين ؛وأشهد: أن محمداً عبدهورسوله ، الصادق الأمين ، صلى الله عليه ،وعلى آله ،وأصحابه ، صلاة دائمة مستمرة ، إلى يوم الدين .
وبعد: فإني رأيت بعض أهل وقتنا، يشتغل بكتاب ((الإحياء)) للغزالي ، ويقرأ فيه عند العامة ،وهو لا يحسن فهم معانيه ، ولا يعرف ما تحت جملهومبانيه ، ليست له أهلية ، في تمييز الخبيث من الطيب ،ولا دراية بما تحت ذلك البارق ، من ريح عاتية ، أو صيب ؛ فكتبت إليه نصيحة ،وأرسلت إليه بعض أصحابه ،وأرشدته إلى الدواوين الإسلامية ، المشتملة على الأحاديث النبوية ،والسير السلفية ،
(ص319) والرقائق الوعظية ، فلم يقبل ، واستمر على رأيه ،واعجب بنفسه ،وأظهر ذلك لبعض من يجالسه ، وحط من قدر الناهي له .
فكتبت إليه كتاباً ، فلم يصغ ،ولم يلتفت ،وزعم أنه على بصيرة ؛وأبدى من جهله: الأعاجيب الكثيرة ؛ فأحببت: أن أذكر للطلبة ،والمستفيدين ، بعض ما قاله أئمة الإسلاموالدين ، في هذا الكتاب ، المسمى بـ((الإحياء)) ليكون الطالب ،على بصيرة من أمره ؛ولئلا يلتبس عليه ما تحت عباراته ، من زخرف القول .
وصورة ما كتبت ، أولاً:
من عبد اللطيف ، بن عبد الرحمن ، إلى الأخ عبد الله سلام عليكمورحمة الله ، وبركاته ؛ وبعد: فقد بلغني عنك ، ما يشغل كل من له حمية إسلامية ،وغيرة دينية ، على الملة الحنيفية ،وذلك: أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب ((الإحياء)) للغزالي ؛ وجمعت عليه من لديك من الضعفاء ،والعامة ، الذين لا تمييز لهم ، بين مسائل الهدايةوالسعادة ، ووسائل الكفروالشقاوة؛وأسمعتهم ما في الإحياء ، من التحريفات الجائرة ،والتأويلات الضالة الخاسرة ،والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين ،والفلسفة في أصل الدين .
وقد أمر الله تعالى ،وأوجب على عباده: أن يتبعوا رسله ،وأن يلتزموا سبيل المؤمنين ؛ وحرم اتخاذ الولائج ، من
(ص320) دون الله ورسوله ، ومن دون عباده المؤمنين ؛ وهذا الأصل المحكم ، لا قوام للإسلام إلا به ؛ وقد سلك في الإحياء ، طريق الفلاسفة ، والمتكلمين ، في كثير من مباحث الإلهيات ،وأصول الدين ، وكسا الفلسفة: لحاء الشريعة ، حتى ظنها الأغمار ،والجهال ، بالحقائق ، من دين الله ، الذي جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، ودخل به الناس في الإسلام ؛ وهي في الحقيقة: محض فلسفة ، منتنة ، يعرفها أولوا الأبصار ، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة ، في القرىوالأمصار .
قد حذر أهل العلم ،والبصيرة ، عن النظر فيها ،ومطالعة خافيها ،وباديها ؛ بل أفتى بتحريقها ، علماء المغرب ، ممن عرف بالسنة ، وسماها كثير منهم ((إماتة علوم الدين)) وقام ابن عقيل: أعظم قيام في الذم ،والتشنيع ؛ وزيف ما فيه من التمويهوالترقيع ، وجزم بأن كثيراً من مباحثه زندقة خالصة ، لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل .
قال شيخ الإسلام: ولكن أبو حامد ، دخل في أشياء من الفلسفة ، وهي عند ابن عقيل زندقة ؛ وقد رد عليه بعض ما دخل فيه ، من تأويلات الفلاسفة ، ورد عليه شيخ الإسلام ، في السبعينية ، وذكر قوله ، في العقولوالنفوس ،وأنه مذهب الفلاسفة ، فأفادوأجاد ؛ ورد عليه غيره من علماء الدين ، وقال فيه تلميذه بن العربي ، المالكي ، شيخنا أبو حامد: دخل في جوف الفلسفة ، ثم أراد الخروج فلم يحسن ؛ وكلام
(ص321) أهل العلم معروف في هذا ، لا يشكل إلا على من هو مزجى البضاعة ، أجنبي من تلك الصناعة .
ومشائخنا ـ تغمدهم الله برحمته ـ مضوا على هذا السبيلوالسنن ، وقطعوا الوسائل إلى الزندقةوالفلسفة ،والفتن ،وأدبوا على ما هو دون ذلك ،وارشدوا الطالب إلى أوضح المناهجوالمسالك ، وشكرهم على ذلك كل صاحب سنة ،وممارسة للعلم النبوي .
وأنت قد خالفت سبيلهم ،وخرجت عن مناهجهم ، وضللت المحجة ؛وخالفت مقتضى البرهانوالحجة ،واستغنيت برأيك ، وانفردت بنفسك ، عن المتوسمين بطلب العلم ، المنتسبين إلى السنة ؛ ما أقبح الحور بعد الكور ، وما أوحش زوال النعم ، وحلول النقم ؛ إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة ، قلت: كيف ينهانا عن هذا فلان ، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشأن .
كأنك: سقطت على الدرة المفقودة ،والضالة المنشودة ، وقد يكون ما أطربك ، وهز أعطافك ،وحركك: فلسفة منتنة ،وزندقة مبهمة ، أخرجت في قالب الأحاديث النبوية ،والعبارات السلفية ، فرحم الله عبداً عرف نفسه ، ولم يغتر بجاهه ،وأناب إلى الله ،وخاف الطرد عن بابه ،والإبعاد عن جنابه .
و ينبغي للإمام ، أيده الله: أن ينزع هذا الكتاب ، من
(ص322) أيديكم ؛ويلزمكم بكتب السنة ، من الأمهات الست، وغيرها ،والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
ثم جمعت بعض أقوال أهل العلم ، وما أفتوا به في هذا الكتاب ، وتحذيرهم للطالب ،والمسترشد ؛ فمن ذلك: قول الذهبي ـ في ترجمته للغزالي ـوأخذ في تأليف الأصول ،والفقه ،والكلام ،والحكمة ،وأدخله سيلان ذهنه ، في مضائق الكلام ، ومزال الأقدام ؛ ولله سر في خلقه ، وساق الكلام ـ إلى أن قال ـ ذكر هذا: عبد الغافر ـ إلى أن قال ـ ثم حكى عنه: أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون الدقيقة ، والتقى بأربابها ، حتى تفتحت له أبوابها ، وبقي مدة ، وفتح عليه باب من الخوف ، بحيث شغله عن كل شيء ـ إلى أن قال ـ ومما كان يعترض عليه به وقوع خلل من جهة النحو ، في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصفواعترف بأنه ما مارسه .
ومما نقم عليه ، ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية ، في كيمياء السعادةوالعلوم ، وشرح بعض الصوروالمسائل ، بحيث لا يوافق مراسم الشرع ، وظواهر ما عليه قواعد الملة ؛ وكان الأولى به ،والحق أحق ما يقال: ترك ذلك التصنيف ،والإعراض عن الشرح له ؛ فإن العوام: ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهينوالحجج ، فإذا سمعوا شيئاً من ذلك ، تخيلوا منه ما هو أضر بعقائدهم ،وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل .
(ص323) قال الذهبي: ما نقله عبد الغافر ، على أبي حامد في الكيمياء ، فله أمثاله في غضون تواليفه ، حتى قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد ، بلع الفلاسفة ،وأراد أن يتقيأهم فما استطاع ، انتهى .
ومن معجم أبي على الصدفي ، في تأليف القاضي عياض له ، قال الشيخ: أبو حامد ، ذو الأنباء الشنيعة ،والتصانيف العظيمة ، غلا في طريق التصوف ، وتجرد لنصر مذهبهم ، وصار داهية في ذلك ،وألف فيه تآليفه المشهورة ، أخذ عليه فيها مواضع ، وساءت به ظنون أمة ،والله أعلم بسره ، ونفذ: أمر السلطان عندنا بالمغرب ، وفتوى الفقهاء بإحراقها ،والبعد عنها ، فامتثل ذلك ، انتهى .
ونقل أبو المظفر يوسف ، سبط ابن الجوزي ، المتهم بالتشيع ، في كتابه: ((رياض الأفهام)) قال: ذكر أبو حامد في كتابه: سر العالمين ،وكشف ما في الدارين ،وقال في حديث: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) إن عمر ، قال: بخ ، بخ ، أصبحت مولى ، كل مؤمن ومؤمنة ؛ قال أبو حامد:وهذا تسليمورضا، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى ، حباً للرياسة ، وعقد البنود ،وأمر الخلافة ،ونهيها ، فحملهم على الخلاف (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) [ آل عمران: 187 ] وسرد كثيراً من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية .
(ص324) قال الذهبي: وما أدري ما عذره في هذا ، الظاهر أنه رجع عنه ،وتبع الحق ؛ قلت: هذا إن لم يكن من وضع هذا ، وما ذاك ببعيد ، ففي هذا التأليف بلاياً ، لاتستطاب ؛ قلت: ما ذكره الذهبي ممكن ،والغرض: أنما ينسب إلى هذا الرجل ، لا يغتر به ،ويجب هجره ،واطراحه ، لما في كتبه من الداء العضال ،والعثرات التي لا تقال.
قال الذهبي: قد ألف الرجل ، في ذم الفلاسفة ، كتاب ((التهافت)) وكشف عوراتهم ، ووافقهم في مواضع ، ظناً منه أن ذلك حق ، أو موافق للملة ، ولم يكن له علم بالآثار ، ولا خبرة بالسنن النبوية ، القاضية على العقل ، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب ((رسائل إخوان الصفا)) وهو داء عضال ، وجرب مردىء ، وسم قاتل ، ولولا أن أبا حامد من الأذكياء ، وخيار المخلصين ، لتلف .
فالحذر ، الحذر ، من هذه الكتب ، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل ،وإلا وقعتم في الحيرة ، فمن رام النجاةوالفوز ، فليلزم العبودية ،وليكثر الاستغاثة بالله ،ولبيتهل إلى مولاه ، في الثبات على الإسلام ،وأن يتوفى على إيمان الصحابة ، وسادة التابعين ، والله الموفق، فبحسن قصد العالم ، يغفر له ، وينجو إن شاء الله تعالى .
وقال أبو عمر بن الصلاح ، فصل: في بيان أشياء مهمة ، أنكرت على أبي حامد ؛ ففي تواليفه أشياء لم يرتضها
(ص325) أهل مذهبه ، من الشذوذ ؛ منها قـوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلاً ؛ قال: فهذا مردود ، إذ كل صحيح الذهن ، منطقي بالطبع ، وكم من إمام: ما رفع بالمنطق رأساً .
فأما كتاب: المضنون به على غير أهله ؛ فمعاذ الله: أن يكون له ، شاهدت على نسخة منه ، بخط القاضي كمال الدين ، محمد بن عبد الله الشهرزوري ، أنه موضوع على الغزالي ،وأنه مخترع من كتاب: مقاصد الفلاسفة ، وقد نقضه الرجل ، بكتاب: التهافت .
وقال أحمد بن صالح الجبلي في تاريخه ، وقد رأيت كتاب: الكشفوالإنباء ، عن كتاب الإحياء ، للمازري: الحمد لله الذي أنار الحق ،وأداله ،وأباد الباطل ،وأزاله ؛ ثم أورد المازري أشياء مما انتقده على أبي حامد ، يقول: ولقد أعجب من قول مالكية ، يرون الإمام مالكاً ، يهرب من التحديد ،وإيجاب أن يرسم رسماً ،وإن كان فيه أثر ما ، أو قياس ما ، تورعاً ،وتحفظاً من الفتوى ، فيما يحمل الناس عليه ، ثم يستحسنون من الرجل فتاوى ، مبناها على ما لا حقيقة له ، وفيه كثير عن النبي e لفق منه الثابت ، بغير الثابت .
وكذا ما أورد عن السلف ، لا يمكن ثبوته كله ،وأورد من نزعات الأولياء ، ونفثات الأصفياء ، ما يجل موقعه ، لكن
(ص326) مزج فيه النافع بالضار ؛ كاطلاقات يحكيها عن بعضهم ، لا يجوز إطلاقها ، لشناعتها ، وإن أخذت معانيها على ظواهرها ، كانت كالرموز لقدح الملحدين ، ولا تنصرف معانيها إلى الحق ، إلا بتعسف ، على ان اللفظ: مما لا يتكلف العلماء مثله ، إلا في كلام صاحب الشرع ، الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه ، المانعة من جهله .
وكذبه إلى طلب التأويل كقـوله: ((إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن)) ((وإن السماوات على اصبع)) وكقوله: ((لأحرقت سبحات وجهه)) وكقـوله: ((يضحك الله)) إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة ، ظاهرها مما أحاله العقل ـ إلى أن قال ـ فإذا كانت العصمة غير مقطوع بها في حق الولي ، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه ، إلا أن يثبت ، وتدعو ضرورة إلى نقله ، فيتأول ـ إلى أن قال ـ ألا ترى: لو أن منصفاً ، أخذ يحكي عن بعض الحشوية ، مذهبه في قدم الصوتوالحرف ، وقدم الورق ، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين ، إن القارىء ، إذا قرأ كتاب الله ، عاد القارىء في نفسه قديماً بعد أن كان محدثاً ؛وقال
(ص327) بعض الحذاق: إن الله محل للحوادث ، إذا أخذ في حكاية مذاهب الكرامية .
وقال قاضي الجماعة: أبو عبد الله بن أحمد القرطبي ،إن بعض من يعظ ، ممن كان ينتحل رسم الفقه ، ثم تبرأ منه شغفاً بالشريعة الغزالية ،والنحلة الصوفية ، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب ، لكتاب أبي حامد ، إمام بدعتهم ؛ فأين هو من تشنيع مناكيره ؟ وتضليل أساطيره المباينة للدين ، وزعم: أن هذا من علم المعاملة ، المفضي إلى علم المكاشفة ، الواقع بهم على سر الربوبية ، الذي لا يسفر عن قناعه ، ولا يفوز باطلاعه ، إلا من تمطى إلى شيخ ضلالته ، التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها .
قال أبو حامد:وأدنى من هذا العلم: التصديق به ،وأقل عقوبته: أن لا يرزق المنكر منه شيئاً فأعرض من قوله ، على قوله: ولا يشتغل بقراءة قرآن ، ولا بكتب حديث ، لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جيبه ،والتدثر بكسائه ، فيسمع نداء الحق ؛ فهو يقول:ذروا ما كان السلف عليه ،وبادروا إلى ما آمركم به ، ثم إن القاضي: أقذع ، وسب ، وكفر .
وقال أبو حامد: وصدور الأحرار ، قبور الأسرار ، ومن أفشى سر الربوبية كفر ، ورأى مثل قتل الحلاج خيراً من إحياء عشرة ، لاطلاقه ألفاظاً ، ونقل عن بعضهم ، قال: للربوبية
(ص328) سر لو ظهر ، لبطلت النبوة ؛ وللنبوة سر لو كشف ، لبطل العلم ؛ وللعلم سر لو كشف لبطلت الأحكام ؛ قلت: سر العلم قد كشف بصوفية أشقياء ، فانحل النظام ، وبطل لديهم الحلالوالحرام .
قال ابن أحمد: ثم قال الغزالي، القائل بهذا إن لم يرد إبطال النبوة في حق الضعفاء ، فما قال ليس بحق ؛ فإن الصحيح لا يتناقض ؛وإن الكامل لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ؛ وقال الغزالي: العارف ، يتجلى له أنوار الحق ، وتنكشف له العلوم المرموزة ، المحجوبة عن الخلق ؛ فيعرف معنى النبوة ، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة ، التي نحن منها على ظاهرها ؛ قال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية ، قلت صديقاً ؛وإذا رأيته في النهاية ، قلت زنديقاً ؛ ثم فسره الغزالي ، فقال: إذا رأيتم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض ، لا بمعطل النوافل ، وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية ، دون التعليمية ؛ فيجلس: فارغ القلب ، مجموع الهم ، فيقول: الله ، الله ، على الدوام ؛ فيتفرغ قلبه ،ولا يشتغل بتلاوة ، ولا كتب حديث ؛ فإذا بلغ هذا الحد ، التزم الخلوة ببيت مظلم ،ويتدثر بكسائه ، فحينئذ: يسمع نداء الحق: (يا أيها المزمل) ، (يا أيها المدثر) .
قلت: إنما سمع شيطاناُ، أو سمع شيئاً لا حقيقة له ،
(ص329) من طيش دماغه ،والتوفيق في الاعتصام بالكتاب ، والسنة ،والإجماع .
قال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب ((الإحياء)) بالكذب على رسول الله e ، وما على بسيط الأرض أكثر كذباً منه ، شبكه بمذاهب الفلاسفة ؛ومعاني رسائل إخوان الصفاء ؛وهم قوم: يرون النبوة مكتسبة ؛ وزعموا: أن المعجزات ، حيل ومخاريق ؛ قال ابن عساكر: حج أبو حامد ،وأقام بالشام نحواً من عشرين سنة ، وصنف ، وأخذ نفسه بالمجاهدة ، وكان مقامه بدمشق ، في المنارة الغربية من الجامع ، سمع صحيح البخاري ، من أبي سهل الحمصي ، وقدم دمشق في سنة تسعوثمانين .
وقال ابن خلكان: بعثه النظام على مدرسته ببغداد ، في سنة أربعوثمانين ، وتركها في سنة ثمانوثمانين ، وزهد ، وحج ،وأقام بدمشق مدة بالزاوية الغربية ، ثم انتقل إلى بيت المقدس يتعبد ، ثم قصد مصر ،وأقام مدة بالإسكندرية ، فقيل: عزم على المضي إلى يوسف بن تاشفين ، سلطان مراكش ، فبلغه نعيه ثم عاد إلى طوس ،وصنف: البسيط ،والوسيط ،والوجيز ،والخلاصة ، والإحياء ،وألف المستصفى ، في أصول الفقه ،والمنخول ،واللباب ،والمنتحل في الجدل ، وتهافت الفلاسفة ، ومحك النظر ، ومعيار العلم ، وشرح الأسماء الحسنى ،ومشكاة الأنوار ،والمنقذ من الضلال ،وحقيقة القولين ،وأشياء أخرى ، انتهى .
(ص330) قال عبد الله بن علي الأثيري ، سمعت عبد المؤمن بن علي القيسي ، سمعت عبد الله بن تومرت ، يقول: أبو حامد الغزالي ، قرع الباب ، وفتح لنا ؛ قال: أبو محمد العثماني ، وغيره ، سمعنا: محمد بن يحيي ، العذري ، المؤدب ، يقول: رأيت بالأسكندرية ، سنة خمسمائة ، كأن الشمس طلعت من مغربها ، فعبرها لي عابر ، ببدعة تحدث فيهم ، فبعد أيام وصل الخبر ، بإحراق كتب الغزالي من البريد .
قال أبو بكر بن العربي ، في شرح الأسماء الحسنى ، قال شيخنا: أبو حامد قولاً عظيماً ، انتقده عليه العلماء ، وقال: وليس في قدرة الله ، أبدع من هذا العالم ، في الإِتقان والحكمة ، ولو كان في القدرة أبدع ، أو أحكم منه ، ولم يفعله ، لكان ذلك قضاء للجور ، وذلك محال ؛ ثم قال ، والجواب: أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ، ونفي النهاية ، عن تقدير المقدرات المتعلقة بها ، ولكن في تفصيل هذا العلم المخلوق ، لا في سواه ؛ وهذا رأي فلسفي ، قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق ، ونسبة الإِتقان إلى الحياة مثلاً ؛ والوجود إلى السمع والبصر ، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب ، واجتمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد ، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها بكل مقدور الوجود ، لا بكل حاصل الوجود ، إذ القدرة صالحة ، ثم قال: هذه وهلة لألعابها ، ومزلة لا تماسك فيها ، ونحنوإن كنا نقطة من بحره ، فإنا لا نرد عليه إلا بقوله.
(ص331) ومما أخذ عليه ، قـوله: إن للقدر سراً نهينا عن إفشائه ؛ فأي سر للقدر ؟! فإن كان مدركاً بالنظر ، وصل إليه ولا بد ،وإن كان مدركاً بالخبر ، فما ثبت فيه شيء ، وإن كان يدرك بالحيل والعرفان ، فهذه دعوى محضة ، فلعله عنى بإفشائه: أن تعمق في القدر ، وبحث فيه .
قال الذهبي: أنبأنا محمد بن عبد الكريم ، أنبأنا أبو الحسن السخاوي ، أنبأنا خطاب بن قمرية الصوفي ، أنبأنا سعد بن أحمد الاسفرائيني بقراءتي ، أنبأنا أبو حامد محمد بن محمد الطوسي ، قال اعلم أن الدين شطران ، أحدهما ترك المناهي ، والآخر فعل الطاعات ، وترك المناهي هو الأشد ، والطاعات يقدر عليه كل أحد ، وترك الشهوات لا يقدر عليه إلا الصديقون ؛ ولذلك قال أبو عامر العبدي: سمعت أبا نصر ، أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي ، يحلف بالله: أنه أبصر في نومه ، كأنه ينظر في كتب الغزالي ، فإذا هي كلها تصاوير .
وقال ابن الوليد الطرطوشي ، في رسالته إلى ابن المظفر ، فأما ما ذكرت من أبي حامد ، فقد رأيته وكلمته ، ورأيته جليلاً من أهل العلم ، واجتمع فيه العقل والفهم ، ومارس العلوم طول عمره ، وكان على ذلك معظم زمانه ، ثم بدا له عن طريقة العلماء ، ودخل في غمار العمال ، ثم تصوف، وهجر العلوم ، وأهلها ، ودخل في علوم الخواطر ، وأرباب القلوب ، ووساوس الشيطان ، ثم شابها بآراء
(ص332) الفلاسفة ، ورموز الحلاج ، وجعل يطعن على الفقهاءوالمتكلمين ، ولقد كاد أن ينساخ من الدين ، فلما عمل ((الإحياء)) عمد يتكلم في علوم الأحوال ، ومرامز الصوفية ، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه ،وشحن كتابه بالموضوعات .
قال الذهبي ، بعد أن ساق كلام ابن الوليد الطرطوشي ، قلت: أما ((الإِحياء)) فقيه من الأحاديث الباطلة ، جملة ، وفيه خير كثير ، لولا ما فيه من آداب ورسوم ، وزهد من طرائق االحكماء ، ومنحرف الصوفيه ؛نسأل الله علماً نافعاً ؛ تدري: ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القران ، وفسره رسول الله e قولاً ، وفعلاً ، ولم يأت نهي عنه ، قال عليه السلام: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله ، وبإدمان النظر في الصحيحين ، وسنن النسائي ، ورياض النووي ، وأذكاره ، تفلح وتنجح ، وإياك وآراء عباد الفلاسفة ، ووظائف أهل الرياضات ، وجوع الرهبان ، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات ؛ فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة ، فوا غوثاه بالله ؛ اللهم اهدنا الصراط المستقيم ، انتهى .
ولمحمد بن علي المازني الصقيلي ، كلام على الإِحياء ، قال فيه: قد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا ، في الكتاب المترجم ((بإحياء علوم الدين)) وذكرتم: أن آراء الناس فيه قد اختلفت ، فطائفة انتصرت ، وتعصبت لإِشهاره ، وطائفة حذرت منه ، ونفرت ، وطائفة لكتبه أحرقت .وكاتبني
(ص333) أهل المشرق أيضاً: يسألوني ، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب ، سوى نبذة منه ، فإن نفس الله في العمر ، مددت منه الأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس ؛ اعلموا: أن هذا الرجل ، رأيت تلامذته ، فكل منهم حكى لي نوعاً من حاله ، ما قام مقام العيان ، فأنا أقتصر على ذكر حاله ، وحال كتابه ، وأذكر جملاً من مذاهب الموحدين ، والمتصوفة ، وأصحاب الإِشارات ، والفلاسفة ، فإن كتابه متردد بين هذه الطوائف .
ثم قال: وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين ، فإنه صنف فيه ، وليس بالمتبحر فيها ، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها ، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة ، قيل إستبحاره في فن الأصول ، فأكسبته الفلسفة جراءة على المعاني ، وتسهيلاً للهجوم على الحقائق ، لأن الفلاسفة: تمر مع خواطرها ، لا يزعها شرع ؛ وعرفني صاحب له ، أنه كان له عكوف على رسائل: إخوان الصفا ؛ وهي إحدى وخمسون رسالة ؛ ألفها من قد خاض في علم الشرع ، والنقل ، وفي الحكمة ؛ فمزج بين العلمين ، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ، ملأ الدنيا تصانيف ، أدته قوته في الفلسفة ، إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة ، وتلطف جهده ، حتى تم له ما لم يتم لغيره
المصدر: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ في الأجوبة النجدية
الجزء الثالث كتاب: الأسماء والصفات